سيد قطب

3660

في ظلال القرآن

له . . ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لهم ولا خذلانه . قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدّث ، أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال له : يا بن أخي . إن قومك قد جاءوني فقالوا لي : كذا وكذا ( للذي كانوا قالوا له ) فأبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . قال : فظن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه فيه بداء ، وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال : فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » . . قال : واستعبر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فبكى . ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي . قال : فأقبل عليه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا » . فهذه صورة من إصرار النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه . حاميه وكافيه ، وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه ! هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها ، ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها . . . جديدة جدة هذه العقيدة ، رائعة روعة هذه العقيدة ، قوية قوة هذه العقيدة . فيها مصداق قول اللّه العظيم : « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » . وصورة أخرى رواها كذلك ابن إسحاق ، كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد إذ أعياهم أمره ، ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه . قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا ، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش . ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يزيدون ويكثرون . فقالوا : يا أبا الوليد قم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا بن أخي . إنك منا حيث علمت : من السطة « 1 » في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال : فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قل يا أبا الوليد أسمع » . . قال : يا ابن أخي . إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت إنما تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك . وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ! - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يستمع منه قال : « أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم . قال : « فاستمع مني » . قال : أفعل . فقال : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ

--> ( 1 ) أي المنزلة الرفيعة المهيبة .